محمد بن أحمد الفرغاني
5
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
النفس وهي الحقائق الكونية التي هي تفصيل حقيقة النفس أو حقائق قوى النفس الإنسانية الشخصية . يقول : لما عرفت أن لذاتي وذات حضرة المحبوب صفتان ذاتيّتان ، وهما الوحدة التي لها الفاعلية والكثرة التي لها القابلية ، وعلمت أن وصف الوحدة بفاعليّته هو الذي ظهر به الروح الأعظم وهو غدا هاديا شهود الروح إلى أفقها الذي هو عالم شهود الذات نفسها مجملا ومفصلا في المرتبة الأولى والثانية في هيئة معنوية حالية ، فيشهد الذات بهذا الوصف وفيه تفصيل نسبها ومعلوماتها شهود مفصل في مجمل ، فاعلم أن الوصف الثاني لذاتنا الأقدس هو وصف الكثرة بقابليّته وهو ظاهر بواسطة ظهور النفس التي هي طرف قابلية ظهور القلم الأعلى واللوح المحفوظ فعلا وقبولا بصورة تفصيل المكتوبات ، وهي روحانيات جميع المكوّنات بالكتابة الإلهيّة المعنية بقوله في خطابه للقلم الأعلى : « اكتب ما هو كائن » « 1 » ، وهذا الوصف أعني وصف الكثرة الظاهرة في ضمن ظهور النفس بحكم قبول إضافة الوجود الظاهر المفاض على النفس يسوق الوجود المفاض المضاف الظاهر إلى رفقاء النفس ، يعني الحقائق الممكنة التي هي تفصيل حقيقتها وتوابعها وجزئياتها من جهة أن حقيقتها مشتملة على حقائق الممكنات القابلة للظهور في مرتبة الأرواح والمثال والحسّ ، فيبعد المضاف ، وهذا الوصف - أعني وصف الكثرة - سائقا جميع الحصص الوجودية المتعيّنة المفاضة إلى حقيقة كل شيء في صبغة صورية تركيبية ، يعني في تلوّن كل حصة وجودية بصور مركّبة مناسبة لمرتبته وحقيقته فعلا أولا صابغا هذه الحصص الوجودية بصبغة صورة العرش ، ثم بصبغة صورة الكرسي ، وهاتان الصورتان طبيعيتان مركّبتان تركيبا لا يحتمل التجزئة والتبعيض ولا الخرق والالتئام ، ثم صبغها بصبغة صورية مركبة تركيبا عنصريا يحتمل التجزئة والتبعيض والخرق والالتئام ، وهي صور السماوات السبع والكواكب ، ثم بصبغة صور تشكّلاتها وإيصالاتها المتنوّعة ، ثم صور الأركان - أعني العناصر - ثم عدا سائقا إياها وصابغا لها بصبغة صور المولدات جمادا ونباتا وحيوانا بجميع أجناسها وأنواعها ، ثم بصبغة صورة إنسانية عنصرية هي آخر الصور كلّها ، فكان وصف الوحدة الغالب حكمه وأثره في الروح يهدي وصف الشهود من
--> ( 1 ) هذ الحديث سبق تخريجه .